الوان المقالات

بقلم : مريم حنا.. أنا مسيحية .. اذن فأنا مضطهدة .!

من المعروف أن الأقلية في كل مكان قد تتعرض لبعض المضايقات وسلب بعض الحقوق حتى في أكثر الدول تقدماً على مستوى العالم ،

ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً توجد تفرقة عنصرية بين ذوي البشرة البيضاء والزنوج واعتبار الزنوج ذوي البشرة السمراء أنهم مواطنين درجة ثانية ولا يحق لهم اعتلائهم مناصب هامة في الدولة بيد أنهم يتعرضون بشكل يومي لشتى أنواع المضايقات والمعاملة السيئة من ذوات البشرة البيضاء وكأنهم ليسوا بشر مثلهم وليسوا أهل للاندماج في المجتمع وتبادل حتى مجرد الكلام مع صفوة المجتمع أي ذوي البشرة البيضاء .

هذا الحال ينطبق على كل الأقليات في كل دول العالم والأمثلة كثيرة ولكن ما يهمني طرحه في هذا المقال هو ما يسمى ب “الأقليات في مصر” .

في الواقع فإن هذا المسمى في رأيي يحمل نوع من الإهانة باعتباره يشير ليس فقط إلى القلة العددية ولكنه يحمل بين طياته معنى الدونية والأقل شأناً لهذا فإني أرفضه رفضاً باتاً ،

فرغم أنني من تلك الأقلية “العددية” في مجتمعي إلا أني لم أشعر يوماً بالدونية أو الإهانة بل بالعكس ، فكيف لي أن أشعر بأنني مواطنة درجة ثانية وأنا أدرك أن جدودي الأقباط هم أساس مصر وأن مصر كانت تدين بالديانة المسيحية منذ ميلاد السيد المسيح حتى عام ٦٤٠ ميلادية أي حتى حدوث الفتح الاسلامي  لمصر على يد “عمرو بن العاص” والذي أدى إلى دخول بعض المصريين الاسلام وبالتالي أصبحت مصر منقسمة من حيث الديانة ما بين مسيحيين ومسلمين وهذا يعني أننا كلنا كمصريين أصلنا واحد لا فرق بين مسلم ومسيحي حتى وان اختلف الدين .

غير أنني على المستوى الشخصي لم ألقى سوى المعاملة الطيبة من اخوتي المسلمين في شتى تعاملاتي اليومية منذ حداثتي وحتى الآن ، أذكر أنني تربيت أنا واخوتي وسط جيراننا المسلمين كنا نسكن في بيت واحد ذو طابقين كل طابق به شقتين متقابلتين كنا نحن نسكن في الطابق الارضي وجيراننا المسلمين في الشقة المقابلة لنا وكانت ابواب الشقق لا تغلق طيلة اليوم إلا عند النوم ، كنا نتعامل وكأننا عائلة واحدة لانعرف ألقاب مثل هذا مسلم أو هذه مسيحية حتى انني واخوتي كنا نلعب مع أبناء الجيران هؤلاء وكبرنا سوياً وحتى بعدما  كبرنا وتزوجنا وافترقنا وذهب كلٌ منا لمكان إلا أننا مازلنا نهتم بأخبار بعضنا ومازال كل منا يسأل على الآخر ويطمئن عليه واذا تقابلنا صدفة في الشارع فإننا نسرع لنحتضن بعضنا بعضاً في ودٍ ومحبة صادقة ليست مفتعلة أو مصطنعة .

أذكر أيضاً وانا صغيرة أنني عندما كنت أذهب إلى بيت جدي في قرية صغيرة في بلدتنا في صعيد مصر أنني كنت ألقى استقبال حافل  بالأحضان والقبلات من سيدة مسنة كانت تقطن بجوار بيت جدي ، هذه السيدة هي امرأة مسلمة قالت لي أمي انها هي اول من استقبلني على يديه يوم ولادتي وذكرت لي أمي موقف لن تنساه لهذه السيدة وهو أنني وانا طفلة رضيعة كنت أصرخ بشدة لوقت طويل وأمي لا تعرف السبب ولا كيف تهدأني إلى أن طلبت منها هذه السيدة أن تأخذني منها وانها تعرف كيف تجعلني أهدأ وبالفعل فقد أعطتها أمي إياي فما إن حملتني على ذراعيها حتى علمت بفطنتها وخبرتها السابقة في تربية أبنائها أنني أتلوى من شدة الام في بطني “مغص في المعدة” وأخدتني وارضعتني من لبن عنزة كانت تربيتها هذه السيدة وما إن ارضعتني لبن الماعز هذا حتى هدأت تماماً وذهبتُ في سُبات عميق.

أما عن تجاربي الحياتية اليومية في الوقت الحالي وانا الآن امرأة بالغة أتعامل بشكل يومي مع أخوتي المسلمين فأنا عضوة ضمن فريق مسرحي كل أعضائه مسلمين ماعدا أنا وشهادة حق لم أشعر يوماً بفرق بيني وبينهم بل على العكس تماماً فإنني في وسطهم أشعر وكأنني بين اخوتي وبين أهلي وعائلتي ، وها نحن هذه الأيام المباركة في صدد الاحتفال بعيد الميلاد المجيد تلقيت العديد من التهاني والمعايدات عن طريق الرسائل الاليكترونية والمكالمات الهاتفية لا حصر لها غير تلك المعايدات التي أتلقاها طيلة سيري في الشارع حتى من أشخاص لا أعرفهم شخصياً من اخوتي المسلمين ، وليس هذا بغريب على مجتمعنا المصري ، فالمحبة والاخوة والسلام هي التي تربط بيننا منذ القدم وستظل إلى انتهاء الدهر بإذنه الله .  

ولا يسعني في النهاية سوى أن أعلن للجميع .. “أنني مسيحية ولست مضطهدة”

 

وسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

عليقات

    1. اشكرك يااستاذ عمرو دايما بتنورني بتعليقاتك الراقية واتفق معك تماما ان الاديان بريئة كل البراءة من حماقات البشر

  1. نهاية رائعة للمقال
    ولا يسعني في النهاية سوى أن أعلن للجميع .. “أنني مسيحية ولست مضطهدة”

اترك رد

إغلاق

تم التعرف علي برنامج حجب الاعلانات

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: