تقارير وتحقيقات

النقيب عبد الرحمن البشيهي حكاية ” يوم الشهيد ” لمجلة ألوان

كتبت : رحمه عبد العزيز 

تشهد محافظات مصر الاحتفال بيوم ” الشهيد ” و الذي خصص كذكري لأحياء ذكري شهدائنا الأبرار في التاسع من مارس من كل عام  , ليصبح يوماً لتكريم شهداء القوات المسلحة والشرطة .

شهداء مصر الذين سطروا ملحمة تاريخية للشجاعة والدفاع عن كل حبة رمل من أرضها والذين لم يتوانو يوماً عن تقديم أرواحهم التي كتبت شهادة ميلاد جديدة يفخر بها كل مصري حر يعيش بسلام بفضل من الله وهؤلاء الذين كانت دمائهم ثمن لسلامة كل مواطن على أرض مصر.

وفي ظل التحديات والحرب الداخلية التي تشهدها محافظة شمال سيناء وبعض المناطق والأكمنة والارتكازات الأمنية بمختلف أنحاء الجمهورية ,سجل شباب مصر من أبناء المؤسسة العسكرية  والشرطة ملحمة تاريخية جديدة للبطولة والشجاعة , شباب لم تتجاوز أعمارهم الخامسة والعشرون عاماً , كتبت دمائهم رواية جديدة لصون الأرض والعرض , شباب فضلوا الموت على الحياة , فاختاروا الوطن بل واختاروا أرض سيناء لترتوي بدمائهم الطاهرة , و في ذكرى الاحتفال بعيد الشهيد ,تحية لكل من قدموا أرواحهم فداء لهذا الوطن تاركين خلفهم الأهل والعائلة والأبناء , تاركين حياتهم ودنياهم التي لم تكن اكتملت بعد.

 

و في حديث خاص لمجلة ألوان مع الدكتورعلي البشيهي والد الشهيد نقيب عبد الرحمن البشيهي , تطرقنا للحديث عن حياة الشهيد ورغباته واستشهاده.

 

الشهيد النقيب عبد الرحمن البشيهي ابن محافظة الفيوم و أحد الأبطال الذين قدموا حياتهم ليحيا الوطن بسلام ولينعم المواطنين بالحياة الكريمة , استشهد عبد الرحمن في عمر الزهور فهو لم يكمل الـ 25 من عمره  .

تحدث الدكتور علي البشيهي  عن حياة الشهيد  ومدي محبة الناس له منذ صغره فكان عبد الرحمن علي خلق مشهود من الجميع, وكان حافظاً للقرآن الكريم وكان  يملك صوتاً عذب في تلاوة القرآن الكريم .

كان عبد الرحمن يعشق الطيران وكانت رغبته الأولي عقب انتهائه ونجاحه في الثانوية العامة هي الالتحاق بالكلية الجوية ولكن لظروف سفر والده وتأخره في الرجوع إلي مصر ,قام عبد الرحمن بتقديم أوراقه  للالتحاق بكلية الطب لحصوله على مجموع 101 % بالإضافة إلي تقديم أوراقه  للالتحاق بكلية الشرطة, فكانت  طموحه الثاني بعد الطيران .

وقال الدكتور البشيهي والد الشهيد “عبد الرحمن كان يتمتع بذكاء خارق وكان شديد الحب لمادة الرياضيات  , وكان عقله متفتح ومستنير , كنت اندهش لذكائه الذي يفوق عمره والذي قد يفوق ذكاء علماء أيضاً  , مضيفاً أن عبد الرحمن التحق بكلية الطب وكان يتابع اختبارات كلية الشرطة ويذهب لتأديتها ,  وبعد قضاء شهرين بكلية الطب وشراء الكتب ومستلزمات الكلية ,  جاءت نتيجة قبوله بكلية الشرطة فأسرع بالالتحاق بها فكانت الحلم الذي تمني أن يحققه وعلى الرغم من أنني لم أرغب في ذلك , لكنه استطاع أقناعي بأنه يريد أن يصبح ضابطاً ليخدم الوطن .

و أضاف والد الشهيد  أنه خلال دراسته  في كلية الشرطة وعلي مدي ٤ أعوام كان عبد الرحمن متفوقا دراسياً ورياضياً بالإضافة إلي خلقه الذي كان يتمتع به و يشهد له جميع زملائه بذلك , مشيراً إلي تخرج الشهيد عبد الرحمن من كلية الشرطة في عام ٢٠١٢ وكان من أوائل الدفعة ,  فطلب الالتحاق بالعمليات الخاصة بالأمن المركزي والتحق بقطاع الشهيد أحمد الكبير , لأنه كان يري أن العليمات الخاصة بالشرطة هي الجهة الأكثر دفاعاً عن الأمن القومي لمصر , وحين ذهابه لقطاع الشهيد أحمد الكبير كان يشعر بالفخر لأن الرائد شهيد أحمد الكبير كان قدوة  لعبد الرحمن ومثل أعلي له .

 

 

وخلال فترة عمله كضابط عمليات خاصة كان عبد الرحمن  الشخص المقرب والمحبب لدي أصدقائه والجنود وذلك لتواضعه وخفة دمه وبساطته في التعامل مع كل من حوله .

 

و أكد والد الشهيد أن النقيب عبد الرحمن انتقل إلي سيناء كفترة انتداب و ذلك  للمشاركة في عملية حق الشهيد التي تخوضها القوات المسلحة والشرطة ضد الجماعات التكفيرية , وكان عبد الرحمن لديه رغبة آخري فقد كان يتمني الشهادة ليلحق بزملائه الذين استشهدوا وراحوا ضحية الغدر والإرهاب الأسود .

 

ولفت والد الشهيد الانتباه إلي أن خلال فترة تواجد النقيب عبد الرحمن  في شمال سيناء والتي استمرت لمدة 13 يوماً فقط  لم يشعر بالحزن سوي علي زملائه الذين استشهدوا علي يد الإرهاب الغاشم ,فقد كان عبد الرحمن يتمتع بقلب ثابت لا يخاف إلا الله عز وجل .

 وقبل استشهاده بليلة , استيقظ عبد الرحمن صباح يوم الجمعة على خبر استشهاد صديقه النقيب محمد السواح , والذي كان يشاركه المداهمات في عملية حق الشهيد , استشهد النقيب محمد السواح قبل استشهاد عبد الرحمن   بيوم واحد , فانتاب عبد الرحمن حالة من الصدمة فلم يكن متوقعاً أن يحدث ذلك لصديقه , على الرغم من إيمانه الكبير ولكنه كان يتمني الشهادة لنفسه , غير راض للموت أن ينال أحد من زملائه لشدة حبه لهم .

 ثم سكت والد الشهيد برهة , ومن ثم استكمل الحديث عن ليلة استشهاد النقيب عبد الرحمن , و يقول  أن والدة عبد الرحمن  قامت بالاتصال به ليلة استشهاده وحينما أجاب على المكالمة وجدت صوته خافتاً حزيناَ فسألته ماذا بك يا عبد الرحمن فأخبرها بحزنه علي صديقه النقيب الشهيد محمد السواح . 

و يستكمل والده الحديث قائلاً  في فجر يوم السبت الموافق  24 أكتوبر 2015  قمت  بالاتصال به فوجدته مستيقظاً فسألته لما أنت مستيقظاً حتي هذا الوقت يا عبد الرحمن , فأجابني  ” أنا عندي عملية تمشيط ومسح  للمنطقة ونازل مع المجندين ”  ” وأخبرني  أنه يتمني الشهادة كباقي زملائه وأنه ينتظر دوره . وحينها كتب على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك ”  أنا بتمني أني أسيب الدنيا بنفس النقاء اللي جيت بيه  “

وقال والد الشهيد أن آخر كلمات النقيب عبد الرحمن عبر صفحة التواصل الاجتماعي فيس بوك كانت ” رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صل الله عليه وسلم نبيا ورسولا ”. 

 

وفي تمام العاشرة من صباح السبت الـموافق  ٢٤ من أكتوبر ٢٠١٥ تلقي والد الشهيد  مكالمة هاتفية من قائد العمليات بشمال سيناء ليخبره ” البقاء لله , عبد الرحمن استشهد ” ” فقال والد الشهيد  ” حينها لم أكن مستوعباً لكلامه و شعرت بأنني في مكان وزمان غير الزمن , كم  كنت أخاف علي عبد الرحمن لأنه الأكبر بين أخوته ونتيجة لظروف عمله وانتدابه لشمال سيناء , ولكنني لم أتوقع أبداً أنه  سيذهب بلا عودة  وكنت في حالة صدمة “.

استشهد عبد الرحمن  في الـ 24 من أكتوبر جراء استهداف الجماعات الإرهابية لمدرعة تابعة  للشرطة بعبوة ناسفة خلال سير المدرعة بأحدي طرق العريش ,  فانفجرت المدرعة  مما أسفر عن استشهاد البطل النقيب عبد الرحمن البشيهي ومجندين آخرين , وإصابة ٨ آخرون .

استشهد عبد الرحمن إثر إصابة بالغة بالرأس والصدر , راح ضحيتها وهو مبتسماً حسب قول أحد المجندين المصابين لوالد الشهيد و أبلغه أيضاً  ” النقيب عبد الرحمن بعد إصابته بالرأس والصدر ردد الشهادة وكان ينظر للسماء مبتسماً ” فتذكرت كلماته قبل الخروج لعملية التمشيط , فقد أبلغنا بترديد الشهادة , و أن ما كتب لنا سنراه , و أن حياتنا فداء لمصر وشعبها “.

استشهد البطل النقيب عبد الرحمن البشيهي  في الـ 24 من عمره , استشهد البطل الذي كان يتمتع بحب كل من حوله , والذي كان يتمتع بذكاء كبير , فيذكر والده أن عقب استشهاد النقيب بفترة , جاء أصدقائه من ضباط الطيران الحربي , وأبلغوا والده أن عبد الرحمن كان يخبرهم بأشياء في الطائرات , لم يكونوا على علم بها , فكانت تنتابهم الدهشة , كيف له أن يعرف كل ذلك وهو لم يدرس  في الكلية الجوية, فأجابهم الوالد , أنهم كان عاشقاً لعالم الطيران وكان كثير الإطلاع على مواقع الانترنت الخاصة بالطيران .

قدم الدكتور عبد الرحمن البشيهي فلذة كبده هدية لمصر , فأرتوي تراب الأرض بدمه , و قدمت والدته أغلي ما لديها , فكان عبد الرحمن صديق والدته المقرب وكان يذهب معها لكل مكان , و حتي الأن لم تستوعب فكرة رحيل عبد الرحمن , ولن تتقبل فكرة استشهاده , لأنها تشعر بوجوده دائما بالقرب منها .

هذه ليست حكاية شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرون من عمره , بل حكاية شهيد , كان ينتظر دوره في الشهادة بقلباً صادقاً و ثابتاً غير خائفاً  , عبد الرحمن البشيهي كان مثال و قدوة رائعة , فقد اختار المكان الصحيح دون علم منه أنه سينال شرف الشهادة ليلحق بالشهداء , هذه المكانة التي عزها الله سبحانه وتعالي وكرم بها من يستحقها , فلن ينال الشهادة إلا من أحبه الله .

كان النقيب عبد الرحمن ذات وجه بشوش و ملامح  تملأها البراءة  , تجذب انتباه كل من تعرف إليه, فكانت ضحكته تغزو القلوب , كما وصفها البعض ضحكة من الجنة .

هذا البطل الذي لم يقدم على العيش بترف بل اختار الحياة العسكرية الصعبة , لخدمة الوطن.

حكاية شهيد حفظ 13 جزء من القرآن الكريم , كان يتمتع بحب كل من حوله , و يتمتع أيضاً بذكاء كبير , كان يرغب في الالتحاق بكلية الطيران , فالتحق بكلية الطب لمدة شهرين ثم انتقل للدراسة بكلية الشرطة , إلي أن أصبح ضابطا في أقوي جهة أمنية بالشرطة, العمليات الخاصة بقطاع الشهيد أحمد الكبير , هذه حكاية حياة بدأت وانتهت لنخرج منها أن هناك شباب في عمر الزهور قدره وطن .

البطل الشهيد نقيب عبد الرحمن البشيهي

وسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق

تم التعرف علي برنامج حجب الاعلانات

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: