الوان المقالات

الصارِخونَ إِذا أُسيءَ إِلى الحِمى

كتب : محمد صفوت

يحنوا على مُريديه من قصدوا صحيح الدين، ويبسط ذراعيه لمن أرادوا الأمن والسلام، اليسر والاعتدال مذهبه، والحكمة والموعظة الحسنة منهج دعوته، عندما تطالع تاريخه تدرك كم أنت محظوظ حين تحملك الأقدار إلى رحابه، وتقودك أقدامك إلى محرابه، إنه الأزهر الشريف ليس مجرد جامع وجامعة فحسب فلمن لايعرف فضله أقول أزهرنا شمسا تدور في فلكها علوم الشرع، حاملة ضياءه إلى جميع أقطار الأرض، علماؤه قدوة صالحة وأسوة حسنة يؤصلون بورعهم علما سيظل خالدا إلى أن تقوم الساعة.

وبعد أن تزايدت أعمال العنف وحدة الإرهاب أصبح الجميع يخشى تلك الفئة التي تقاتل باسم الدين ليتسائل الجميع هل تلك الأفعال لها جذور في ديننا نحن المسلمون؟ ومن المتسبب في وجودهم؟ ليخرج علينا من يطالب بتجديد الخطاب الديني وأن المتسبب في انتشار هذا الفكر هي مؤسسة الأزهر الشريف وبعد أن وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوته لعلماء الأزهر والأوقاف والإفتاء إلى القيام بـ«ثورة دينية» تقوم بتجديد الخطاب الديني؛ ليكون متناغما مع عصره، وتقضي على النصوص والأفكار المدسوسة على ديننا الذي في جوهره السماحه والسلام، والتي يستغلها أصحاب الفكر المتطرف لاستحلال الدماء وفرض الإرهاب.

والواقع أن بعضنا لايعي مفهوم الخطاب الديني أصلا ولامعني تجديده أوكيف نجدده؟ وهل يحتاج إلي تجديد فعلا في الوقت الحالي؟ أم أن كثيرا من وسائل الإعلام وبعض من يرددون ذلك تماشيا مع حدث أوموقف معين وسرعان ما ينصرفون أو ينسون أويتناسون بمعني أدق.

ومع ذلك فقد اجتهد البعض وبرزت أطروحات جديدة قديمة لتنظير مفهوم تجديد الخطاب الديني ولكن دونما وضع مفهوم للخطاب الديني الذي يريدون والتجديد الذي به يطالبون.

وانقسم العلماء في ذلك إلى جماعات كل منها تتبني توجها معينا يتفق وخلفياتها الثقافية ومذاهبها الفكرية نحو الخطاب الديني وتجديده .

وأخطر المنظرين على المجتمع وعلى الإنسانية جمعاء هم الذين فهموا تجديد الخطاب الديني فهما ذاتيا وقالوا إنه يعني نسف ثوابت الدين والتحرر من كل موروث ديني أو ثقافي أو اجتماعي وحتى العادات والتقاليد الأصيلة بل جميع قواعد الدين والقيم والأخلاق والانتقال بالمجتمع إلى التحرر المطلق حتى نلحق بركب التقدم من وجهة نظرهم.

الغريب أن هؤلاء وأمثالهم تتيح لهم وسائل الإعلام نشر فكرهم ليلا ونهارا بل وصل بهم التحدي لعلماء الدين أن يناظروهم، والمناظرة في حد ذاتها لاغبار عليها ولكن هل يمكن لعاقل أن يناظر في كتاب الله أوفي حديث رسول الله الصحيح والمتواتر أوفي الأحاديث القدسية ؟

لقد انبرى علماء الحديث منذ أمد بعيد وقسموا الأحاديث ومنها الصحيحة ومنها الضعيفة ومنها الحسنة، واضعين شروطا للحديث والسند الصحيح الموثوق بصحته وغيره، ثم بعد ذلك يأتي من يقول كلاما لاسند له من العلم!

وأصحاب هذا الرأي ومن على شاكلتهم يرون أن الدين هو سبب تخلفنا، وأن الحل الوحيد في القضاء على مشاكلنا والانطلاق نحو التقدم والنهضة العالمية هو ترك الموروث الديني، وهذا ينافي الفطرة الإنسانية تماما فما بالنا بالدين الإسلامي الحنيف الذي يوم التزم به المسلمون كونوا إمبراطورية تساقطت أمامها أعتى الأمبراطوريات، ويوم أن ضعف ارتباطهم به أصبحوا دويلات وجماعات متفرقة، ويوضح «مالك بن نبي» المفكر الجزائري رحمه الله سبب ما تحياه أمتنا من شتات فكري وتراجع في الخطاب الديني، فيقول في عبارته الشهيرة: التخلُّف الذي يعيشُه العالم الإسلامي اليومَ ليس سببَه الإسلام، ولكنه عقوبة مستحقَّة من الإسلام على المسلمين لتخلِّيهم عنه لا لتمسُّكهم به كما يظن بعض الجاهلين.

وهناك البعض من يرون التمسك بأصول الدين دون نقص أوزيادة، وما التجديد من وجهة نظرهم إلا ضياع للعقيدة، ورغم احترامي لرأيهم لأنهم يحافظون على الإسلام ويتمسكون به حرفيا إلا أن ذلك يعد عند جمهور العلماء جمودا لم يعرفه المسلمون إلا في عصور التخلف والضعف التي مروا بها لأسباب يطول شرحها، إننا نحترم رأي الجميع. وينبغي أن نلتزم بأداب الإختلاف، وفي الوقت نفسه ننبذ الخلاف لأنه طريق الهلاك.

الغريب أن البعض يحاول بحسن نية أوبسوء نية هدم مفهوم الخطاب الديني من أساسه فما بالنا بتجديده عندما يتفلسفون ويرفعون أصواتهم مبشرين بتجديد الخطاب الديني من خلال هدم قواعد الدين وأصوله فراحوا يهاجمون الدين ذاته ويقدمون للرأي العام أصحاب الأفكار الإلحادية في حوارات علنية وكأنهم عظماء.

إن تجديد الخطاب الديني لايكون بمعاول الهدم والتفلسف والافتراء ومهاجمة العلماء والأزهر الشريف ورموزه الأجلاء من أجل جذب الناس للفكر الغريب وتسويق شخصيات إعلامية لأنفسهم علي حساب الدين من منطلق أن الناس يلتفون حول كل غريـب، لكنهم في النهاية يتشتتون وتتفرق بهم السبل ويضلون الطريق فنغرق جميعا في دوامة العنف بمختلف أنواعه، ولذلك أقول: جددوا ولا تهدموا!

إن المؤسسات الدينية لا تألو جهداً في تحقيق ما يتطلبه الواقع من تجديد للخطاب الديني، وإن كان من تقصير كما يري الدكتور شريف درويش فلأن البيئة المحيطة بنا يجب أن تتهيأ لقبول ما يصدر عنها من نتاج علمي وعملي، فلا يمكن أن يحدث تجديد وسط جو من الصخب الإعلامي يعكر هذا الخطاب، ويشوش عليه ويبخس جهد مؤسسة الأزهر الرائدة.

لذلك أرى أن التجديد الذي أذهب إليه وأقصده هنا هو ذلك التجديد الذي جاء انطلاقًا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»؛ فقد ذهب العلماء إلى أن المقصود بالتجديد هنا هو تعليم الناس دينهم، وتعليمهم السنن، ونفي الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من خلال تمييز الصحيح من الضعيف من أحاديثه، والقضاء على البدع وإحياء السنن، وعليه فالمقصود بالتجديد في الخطاب الديني هو تجديد الفهم الديني، ذلك الفهم الذي أنتجه العقل الإنساني على مدار عقود من الزمان من خلال قراءته وفهمه وتأويله وتفسيره للنصوص الدينية، وليس المقصود منه النيل من الثوابت أو تجديد هذه النصوص بالحذف أو الإضافة أو التغيير أو ما شابه ذلك.

ما أقصد به تجديد الخطاب الديني الذي إذا اشتمل على الوصايا العشر في قول الله تعالى: «قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»، يكون خطابًا له آثاره الطيبة، وله ثماره الحسنة التي تجعل أبناء الأمة يصلحون ولا يفسدون، ويبنون ولا يهدمون، ويجمعون ولا يفرقون، ويتعاونون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: