الوان المقالات

الباحث السياسى عمرو سمبل يكتب| رؤية للأزمة الفرنسية «السترات الصفراء» .. الجزء الأول

عمرو سمبل ـ باحث سياسى

بقلم الباحث السياسى ـ عمرو سمبل

بدايةً يجب أن نقول أن السترات الصفراء هى مثل حزام الأمان، توجد فى كل مركبة فرنسية «سترة صفراء» يرتديها قائد السيارة فى حال حدوث حادث مرورى او إنتشار الضباب .. عندما فرض ماكرون ضريبة على الوقود ،، قاد اصحاب السيارات هذا الحراك الذى ربما يتطور ليصبح ثورة على النظام العالمى الجديد..

والآن نبدأ بصورة كلية لما حدث قبل بدء تلك الأحداث حتى نستطيع أن نفهم المشهد الحالى جيداً.

بنهاية الستينات إنتهى أيضاً العصر الذهبى للزعامات التاريخية أمثال روزفيلت وايزنهاور وستالين وعبد الناصر ونهرو.. وأصبح العالم يعيش حتى اليوم عصر الرؤساء الموظفون لدى رجال النظام العالمى الجديد وهو ذلك النظام الذى يسيطر عليه رجال الإقتصاد وتحكمهم مبادىء الربح والخسارة فقط .. مع الحفاظ على السيطرة منابع الثروة أينما كانت وبأى وسيلة…

يقول المفكر العالمى الكبير «نعوم تشومسكى» إن الديمقراطية هى ذلك الطوق الذهبى الذى يذهب ملايين الناس من مختلف الشعوب لإختياره بإرادتهم كى يكبلوا انفسهم به… وفى عصر الميديا وبرامج غسيل المخ وتطور اساليب ما يعرف مخابراتيا باسم MK ULTRA MIND CONTROL  أصبح من السهل جداً تقديم شخصيات جديدة لتتصدر المشهد الرئاسى فى بلاد كثيرة من العالم وإضفاء هالات من الأضواء حولها وحول خططها المستقبلية بينما هم فى النهاية عرائس ماريونيت فى ايدى نخبة عالمية مسيطرة من رجال المال والإقتصاد ورجال البنوك واصحاب الشركات العابرة للقارات… من ضمن هؤلاء كان الرئيس الفرنسى الحالى ماكرون ابن النظام العالمى الجديد الذى تم تقديمه للناخب الفرنسى على انه الفارس الشاب الذى أتى من خلف الأحزاب ليقود الأمة لمستقبل اكثر اشراقا.. ثم تتكشف حقيقة هذا المستقبل فإذا به ليس فقط وهم أو سراب بل خطوات منظمة من اجل المزيد من استخدام الشعوب (وخاصة الطبقة المتوسطة) كوقود لدى المؤسسات المالية العظمى للنظام العالمى الجديد بقيادة البنك الدولى وصندوق النقد والعشرات من الشركات العابرة للقارات….

ولقد كان لهذا الحراك الفرنسى الأخير مؤشرات جلية واضحة تمثلت أولاً فى تصويت البريطانيين ضد نظام الإتحاد الأوروبى مما أدى الى خروج بريطانيا منه مؤخراً (البريكست) وكان المؤشر الأخر هو تصويت أغلب الأمريكيين لمرشح مغمور فى عالم السياسة ولكنه يتبنى سياسات (على الأقل بصورة علنية) ضد النظام العالمى الجديد… كما أتت بعض المؤشرات من ألمانيا بالتصويت لحزب اليمين المتطرف الناشىء (حزب البديل لأالمانيا AFD) وكان المؤشر الأخطر فى أوروبا هو ذلك الذى سجله المواطن الإيطالى بالتصويت لحزب يتبنى سياسات اشتراكية دليلا على ان المواطن الأوروبى قد سئم من النظام المالى الذى يفرضه رجال النيوليبرالية القائم على سحق المواطن من أجل تحقيق المزيد من الأرباح للسادة الأغنياء .. وفى فرنسا نفسها أوضحت المؤشرات ان غالبية أصحاب الأعمال من الطبقة الوسطى قد تعرضوا للإفلاس بالفعل وفى نفس الوقت تعرضوا لفرض ضرائب تصاعدية بلغت 30% .. بينما تضاعفت ثروات المليارديرات المسيطرين على المؤسسات الكبرى العظمى.

وقد شهد العالم فى السنوات الخمسين الأخيرة لحظات فارقة فى تاريخ البشرية الحديثة… كانت الأولى هى لحظة عجز النظام السوفييتى عن تدارك آثار كارثة مفاعلها النووى فى تشيرنوبيل ،، وكانت اللحظة الثانية هى تحطيم سور برلين والإعلان الرسمى عن تفكيك حلف وارسو ونهاية عصر الإتحاد السوفييتى ونهاية عصر الحرب الباردة بين القطبين… وانتهزت امريكا الحدث التاريخى ليعلن جورج بوش الأب عن تحريك مليون جندى أمريكى فى مناطق معينة من العالم للحفاظ على التفوق الأمريكى بصفتها قائدة للعالم الجديد وتحدث بشكل علنى عن ما يسمى النظام العالمى الجديد فى حديث اجراه فى معهد ASPEN فى اغسطس عام 1990 ثم بعدها بشهر واحد فى جلسة عاصفة فى الكونجرس فى الحادى عشر من سبتمبر عام 1990 للإعلان عن بدء عاصفة الصحراء.

وفى عام 2001 بعد شهر واحد من أحداث الحادى عشر من سبتمبر قام دونالد رامسفيلد بتعيين صديقة الجنرال أرثر شيربوفسكى مديرا لإدارة جديدة تم استحداثها وهى Force transformation ويمكن ترجمتها الى اسم إدارة تطوير استخدام القوة.. وقد نجح شيربوفسكى مع قادة البنتاجون فى تطوير طريقة عمل القوات الأمريكية لتصبح السيطرة على المداخل التى تؤدى الى مناطق النفوذ الأمريكية فى العالم ليس فقط باستخدام القوة العسكرية.. بل الأهم هو إستخدام المؤسسات المالية والشركات العابرة للقارات.. وعن طريق تلك السياسة نشأ مصطلح الشرق الأوسط الجديد الذى يرمى فى أحد أهم أهدافه الى تكريس السيطرة الإسرائيلية على الشرق الأوسط دون الحاجه إلى تدخل أمريكى (وهو ما يتم تنفيذه حاليا ببطء) وهو السبب فيما يبدو انه انسحاب امريكى من المنطقة..

أرى أننا لم نبتعد كثيراً عن الأحداث الفرنسية ،، ولكننا إقتربنا بشدة لنفهم .. لماذا ثار المواطن الفرنسى الحر ضد سيطرة الرأسمالية المتوحشة التى يقودها رجال النظام العالمى الجديد بقيادة موظفون يحملون لقب رؤساء؟

وهذا ما سنتحدث عنه بإستفاضة أكثر فى الجزء القادم ان شاء الله.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: